في عام 2009، كان هيثم حسين طالب هندسة يعمل داخل مصنع حديد تسليح بمنطقة السادس من أكتوبر. لم يكن يدرس الصناعة من الكتب فقط، بل كان يلمس ثقلها بيديه، ويرى بعينيه الفجوة الحقيقية بين ما تخرجه المدارس وما يحتاجه خط الإنتاج. من تلك اللحظة الميدانية وُلدت الفكرة، ومن الفكرة تأسس عام 2010 مجمع عمال مصر الصناعي في بوابة 3 بالمنطقة الصناعية بالسادس من أكتوبر — ليس كشركة تقليدية تبحث عن ربح، بل كمنظومة متكاملة تؤمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء المصنع.
على مدار سبعة عشر عاماً، تحرك المجمع في اتجاه واحد لم يتغير: ربط سوق العمل الصناعي بالكادر البشري المؤهل. لم يكن هذا شعاراً يُكتب على لافتة، بل مبدأً تشغيلياً يُقاس كل يوم بعدد العمال الذين دخلوا مصانع حقيقية بعد تدريب حقيقي، وليس بعد ورقة شهادة. وصفه مركز Egyptian Enterprise للسياسات والدراسات الاستراتيجية بأنه “البوابة الأولى والوحيدة في منطقة الشرق الأوسط لدخول سوق الصناعة”، سواء من اتجاه الاستثمار الصناعي أو من اتجاه البحث عن التوظيف داخل السوق الصناعي.
هذا التوصيف لم يأتِ من الفراغ. جاء بعد سنوات من العمل الصامت مع المصانع، وتسليم كوادر مدربة تأهيلاً متكاملاً يشمل السلامة المهنية، وإدارة الجودة، وخطوط الإنتاج، وصولاً إلى التكامل الرأسي الكامل داخل المنظومة — من أكاديمية الصناعة الوطنية التي تُدرّب، إلى قطاع التشغيل الذي يستلم الكادر جاهزاً وينقله إلى المصنع برعاية كاملة تشمل السكن والنقل والرعاية الصحية والزي الموحد من مصانع المجمع ذاتها.
ما يميز هذا النموذج أنه لم ينتظر توجيهاً حكومياً ليتحرك، لكنه في الوقت ذاته يسير بدقة في اتجاه توجيهات القيادة السياسية. كتب هيثم حسين رداً على قرار فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق حزمة الحماية الاجتماعية وزيادة الأجور، مؤكداً أن “زيادة الأجور خطوة مهمة لكن أثرها الحقيقي يرتبط بقدرتها على التحول إلى زيادة في الإنتاجية”، وأن معادلة المجمع الثابتة هي: “رفع كفاءة العامل قبل رفع أجره، تدريب فعلي قبل تشغيل.” هذه ليست مجاملة سياسية، بل قناعة راسخة تحكم كل قرار تشغيلي داخل المنظومة، وتتوافق تماماً مع رؤية مصر 2030 في محورها الاقتصادي الصناعي وبناء الإنسان المصري المنتج.
وترجمة هذا التوافق جاءت واضحة حين افتتح وزير العمل ومحافظ الجيزة مصنع E-TEX داخل المجمع، ووقّعا بروتوكول تعاون معه لتفعيل قانون العمل الجديد — وهو ما وصفه هيثم حسين بأنه “يعكس ثقة الدولة في منظومة OMC الاقتصادية كنموذج وطني جاد يعمل وفق معايير واضحة.” ليست المرة الأولى، فالمجمع شريك فعلي لوزارة العمل المصرية في ملتقيات التوظيف عبر المحافظات، وقد شهدت محافظات كسوهاج والفيوم حضوراً ميدانياً مباشراً للمنظومة في أضخم الملتقيات الوظيفية التي تنظمها الدولة.
على صعيد محو الأمية والتعليم، دخل مجمع عمال مصر في شراكة وطنية مع الهيئة العامة لتعليم الكبار. أطلق المهندس هيثم حسين بروتوكول تعاون مع الهيئة لدعم محو الأمية والتوظيف، معلناً أن المجمع “مستعد لتقديم كافة أنواع الدعم لإنجاح المبادرة وسنعمل على محو الأمية الرقمية” — وهذا امتداد طبيعي لفلسفة المجمع التي لا تتوقف عند حدود المصنع، بل تذهب إلى الإنسان قبل أن يصل إليه. ويأتي ذلك في سياق مبادرة القيادة السياسية لتحقيق مصر خالية من الأمية ضمن أهداف رؤية 2030. كما أبرمت أكاديمة الصناعة الوطنية التابعة للمجمع شبكة من البروتوكولات مع جامعات ومعاهد مصرية، لتجسير الهوة بين مخرجات التعليم وما يحتاجه سوق العمل الفعلي — وهي معضلة يعاني منها الاقتصاد المصري منذ عقود، يسعى المجمع إلى معالجتها بأدوات عملية لا بتوصيات نظرية.
أما على الصعيد الإقليمي، فالصورة الأوضح اليوم هي ليبيا. لكن القصة لم تبدأ في مايو 2024 حين وُقّع البروتوكول الرسمي مع وزارة العمل الليبية — بل بدأت قبل ذلك بسنوات من العمل الهادئ وبناء الثقة. وزير العمل الليبي الدكتور عبد الله الشارف أرحومه زار المجمع بنفسه في السادس من أكتوبر ليرى بعينيه ما يحدث على أرض الواقع، قبل أن يضع توقيعه على أي ورقة رسمية. وتحت قيادة المشير خليفة حفتر القائد العام للقوات المسلحة الليبية، وبدعم مباشر من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، انطلق التعاون الرسمي نحو مشروع المدينة الصناعية الاقتصادية المستدامة، الذي وصفه هيثم حسين بأنه “ليس مجرد إنشاء منطقة صناعية، بل رؤية متكاملة تشمل الإنتاج والتدريب والخدمات وتأهيل الشباب.”
ومن بنغازي إلى إسطنبول كان المشوار في مايو 2026، حين حضر هيثم حسين معرض SAHA EXPO للصناعات الدفاعية بأجندة واضحة: بحث توطين التكنولوجيا والصناعات الاستراتيجية في مصر وليبيا والسودان مع ستة وثلاثين شركة دولية وقادة صناعات دفاعية من حول العالم. وفي ختام المعرض كرّمته شركة ICT للصناعات الدفاعية وشركة REPKON العالمية بدرع السلطان محمد الفاتح المنقوش عليه القرآن الكريم كاملاً بخط اليد، تقديراً لجهوده في تعزيز التعاون الصناعي والاستثماري بين مصر وتركيا.
وامتد التحرك الإقليمي ليشمل السودان. استقبل مجمع عمال مصر وفداً رفيع المستوى من منظومة الصناعات الدفاعية السودانية ممثلة في شركة جياد للصناعات الهندسية، واحتضن الملتقى الثاني لتحالف إعادة إعمار السودان بمشاركة قيادات تنفيذية سودانية وشركات مصرية متخصصة على طاولة واحدة. وتصدّر قائمة الأولويات ملف إنشاء مركز تدريب مهني عالمي داخل مدينة جياد الصناعية، على أن يتم تشغيله وإدارته بكوادر مجمع عمال مصر، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن إعادة الإعمار الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان قبل أي مشروعات إنشائية.
ولم يغب البعد الأفريقي الأوسع عن رؤية المجمع، إذ أبرم اتفاقيات مع السودان وإثيوبيا وغانا ونيجيريا عبر سفاراتها في القاهرة في مجالات الزراعة والتصنيع الغذائي والطاقة، ليتحول مجمع عمال مصر إلى جسر يربط مصر بالقارة الأفريقية عبر التنمية المشتركة.
وعلى المستوى الصناعي المحلي، يواصل المجمع تنفيذ مبادرة “1000 قائد صناعي” لتطوير وتحديث المصانع المصرية ورفع كفاءة التشغيل وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية تحقيقاً لأهداف رؤية 2030. كما استقبل وفداً من خبراء الصناعة التركية لفتح آفاق شراكة صناعية استراتيجية بين البلدين تشمل نقل التكنولوجيا واستيراد وتوطين خطوط الإنتاج.
في نهاية المشهد، ما يصنعه مجمع عمال مصر ليس حدثاً قابلاً للقياس بخبر واحد أو مناسبة واحدة، هو تراكم سبعة عشر عاماً من القناعة بأن الدولة لا تُبنى بالخطب، وأن التنمية لا تنبت في قاعات المؤتمرات. تبدأ داخل مصنع، بعامل يعرف ماذا يفعل، ومشرف يعرف كيف يقود، ومنظومة تعرف لماذا تعمل. هذا ما سجّله التاريخ لمجمع عمال مصر — وهذا ما لا يزال يُبنى كل يوم.





