لم يكن اجتماعاً عادياً في جدول أعمال مزدحم، كان موعداً اختاره المهندس امحمد عبدالقادر السعيدي، وزير الصناعة والمعادن الليبي، بإرادة واضحة — وهو الرجل الذي لا يحضر إلا حيث يؤمن.
في القاهرة، يوم الثامن والعشرين من أبريل، وعلى بُعد أيام قليلة من احتفالية عيد العمال في بنغازي، جلس الوزير امحمد عبدالقادر مع المهندس هيثم حسين رئيس مجلس إدارة مجمع عمال مصر والتحالف الدولي المصاحب، في جلسة عمل وصفها المشاركون بأنها من أكثر الجلسات عمقاً وثماراً في مسار التعاون المصري الليبي.
ما جرى في تلك الغرفة لم يكن تبادل مجاملات — كان تجديد عهد وبناء خارطة طريق. الوزير امحمد عبدالقادر أعلن بوضوح لا يحتمل التأويل: وزارة الصناعة والمعادن الليبية تقف بثقلها الكامل خلف مشروع مدينة عمر المختار المتكاملة المستدامة، وهي مستعدة لتذليل كل عقبة إدارية وتنفيذية وتشريعية تعترض طريق المشروع على الأرض الليبية.
لكن الأهم مما قاله كان ما كشفه عن منهجه — أعلن تنسيقاً مباشراً ومتكاملاً مع وزير العمل والتأهيل الدكتور عبدالله الشارف أرحومه، معترفاً بأن ما بناه الدكتور أرحومه من ثقة مع مجمع عمال مصر على مدار ثلاث سنوات متواصلة هو الأساس الصلب الذي يقف عليه كل ما يجري اليوم — وأن المرحلة القادمة تستوجب أن تعمل الوزارتان كجناحين لا كمسارين منفصلين.
الوزير امحمد عبدالقادر لم يأتِ إلى القاهرة من فراغ. قبل أربعة أيام فقط كان في مدريد يترأس الوفد الليبي في المنتدى الاقتصادي الليبي الإسباني، يفتح أبواب الاستثمار الأوروبي أمام السوق الليبية ويناقش نقل الخبرات التقنية لدعم القطاعات الإنتاجية. رجل يبني شراكات بلاده على امتداد الخريطة — من أوروبا إلى القاهرة في أسبوع واحد — ولا يعرف معنى الانتظار.
أثنى الوزير على التحالف الدولي بقيادة مجمع عمال مصر ووصفه بأنه “قيادة مصرية برؤية دولية”، وشكر الشركات المشاركة — مجموعة الدلتا التعليمية وSpecial Group وICT INVESTMENT التركية وSayın Construction وStaff Arabia — على ثقتها في الفرصة الليبية ومضيها في هذا المسار. وأكد أن هذا النوع من التحالفات هو بالضبط ما تحتاجه ليبيا في مرحلة إعادة الإعمار — شراكة تجمع خبرة ميدانية مثبتة برؤية استراتيجية واضحة وإرادة سياسية داعمة من أعلى المستويات في البلدين برعاية فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر.
هذا الاجتماع ليس بداية علاقة — هو تتويج لمسار. فمذكرة التفاهم بين مجمع عمال مصر والهيئة العامة للمناطق الصناعية الليبية وُقّعت عام ٢٠٢٣، وظلت تنتظر اللحظة المناسبة لتتحول من نص إلى حركة. اليوم جاءت تلك اللحظة — وجاء معها وزير يعرف كيف يُحوّل الاتفاقيات إلى واقع.
مجمع عمال مصر يصل إلى بنغازي مطلع مايو بما لم يصل به أحد من قبله — دعم مؤسسي من وزارتين ليبيتين في آنٍ واحد، وزارة العمل التي بنت الثقة دفعة بعد دفعة، ووزارة الصناعة التي فتحت الأبواب قبل أن تُطرق. والفرق بين مشروع يُنفَّذ ومشروع يظل على الورق هو بالضبط هذا — أن تجد أمامك دولة تريد لا موظفين ينتظرون.
الرجل الذي بدأ بمئة منحة في بنغازي ٢٠٢٣ يعود في مايو ٢٠٢٦ يحمل تحالفاً دولياً ودعم وزارتين ومشروع مدينة جاهزة للإطلاق. وما بين اللحظتين ثلاث سنوات أثبتت أن الثقة تُبنى بالفعل لا بالكلام.
بنغازي على بُعد أيام. والأرض جاهزة. قيادة مصرية برؤية دولية لإعمار ليبيا صناعياً واقتصادياً.





