في زمن تحاول فيه أيادٍ خفية أن ترسم حدوداً بين شعبين لم تعرفهما الحدود، تأتي الأفعال لتقول ما لا تقوله البيانات. فبينما يتحدث البعض عن خلافات عابرة، تعمل منظومة OMC الاقتصادية (مجمع عمال مصر الصناعي) بصمت على بناء جسر لا من إسمنت، بل من طَيبة، وكرم، وإنسانية.
الحدود البرية بين مصر والسودان تمتد لأكثر من ألف ومئتين وستة وسبعين كيلومتراً، لكن العلاقة بين الشعبين أعمق من أي خط على الخريطة، وأقدم من أي خلاف عابر، وأقوى من أي محاولة للفتنة. أكثر من ستمائة ألف سوداني وجدوا في مصر ملاذاً آمناً منذ اندلاع الحرب، لم يجدوا فيها جدراناً باردة، بل وجدوا قلوباً مفتوحة، وبيوتاً تستقبل، ومصانع تعمل، وأيدياً تمتد بالخير قبل أن يطلب.
وفي خطوة تعكس عمق هذه العلاقات، وقّعت منظومة OMC الاقتصادية (مجمع عمال مصر الصناعي) بروتوكول تعاون استراتيجي مع شركة جياد للصناعات الهندسية، التابعة لهيئة التصنيع الحربي السودانية، لتكون شراكة تقوم على ثلاث ركائز أساسية: الصناعة، الزراعة، والتعليم والتدريب.
الرئيس التنفيذي لمجموعة جياد وصف ما رآه في مجمع عمال مصر بأنه ثورة صناعية حقيقية تستحق أن تنقل إلى السودان، مؤكداً أن النموذج المصري في التدريب والتشغيل يمكن أن يكون حجر الأساس لنهضة صناعية سودانية جديدة.
المهندس هيثم حسين، رئيس مجلس إدارة منظومة OMC الاقتصادية (مجمع عمال مصر الصناعي)، أكد أن المنظومة استقبلت أسراً سودانية هاربة من الحرب في مدينة السادس من أكتوبر، ووفرت لها مساكن مؤقتة، وبرامج تدريبية عبر أكاديمية الصناعة الوطنية، وقامت بتشغيل عدد منهم في مصانع شريكة، في نموذج يجسّد العلاقات الطيبة بين الشعبين.
وفي حالة عدم امتلاك الشخص أوراقاً رسمية، اكتفت المنظومة ببطاقة الهوية فقط، لتؤكد أن استقبال الإنسان لا يتوقف عند حدود الأوراق، بل يمتد إلى جوهر الإنسانية ذاتها، مع توفير السكن والمواصلات المجانية والتأمينات الصحية والاجتماعية، في نموذج متكامل يجسّد العلاقات الطيبة بين الشعبين.
المنظومة التي استقبلت أكثر من مئة وستين ألف شاب للتدريب والتأهيل على مدار سبعة عشر عاماً من العمل في القطاع الصناعي، لم تكتفِ بتوفير المسكن المؤقت، بل أطلقت برامج تدريبية متخصصة في المهارات الصناعية، وعملت على تشغيل العمالة السودانية في مصانع شريكة، لتتحول الأسر من طالبة للعون إلى منتجة تعيل نفسها وتساهم في الاقتصاد.
وفي وقت يحاول فيه البعض تضخيم أحداث عابرة تتعلق بالتنقيب غير القانوني عن الذهب على الحدود وإشعال فتنة بين الشعبين الشقيقين، يأتي هذا النموذج ليقول إن مصر لا تطرد السودانيين، بل تحتضنهم في مصانعها وبيوتها، وتدربهم وتشغلهم وتمكنهم، وتوفر لهم حياة كريمة متكاملة، قبل أي اتفاقيات أو بروتوكولات.
العلاقات الطيبة بين مصر والسودان ليست مجرد شعارات في المؤتمرات، وليست رهينة لحظة سياسية عابرة، إنها علاقات راسخة في وجدان الشعبين، تمتد في أعماق التاريخ، وتتجدد كل يوم بأفعال تثبت أن الدم واحد والمصير مشترك.
والسؤال الذي يطرحه هذا النموذج على كل من يحاول تفريق الصف العربي: هل تظنون أن الفتنة تستطيع أن تهدم جسراً بنته طَيبة المصريين وكرم السودانيين؟ الإجابة التي يؤكدها الواقع كل يوم هي لا، لأن العلاقات الطيبة تُبنى بالأفعال، ولا تهدمها الأقوال، وبين الشعوب لا بين الحكومات فقط.





